حسن البنا

42

نظرات في كتاب الله

فالبنا رحمه الله يريد من المسلم في تعامله مع القرآن أن يعيش معه بروحه وقلبه ، بصفاء قلب ، ونقاء سريرة ، وتفكّر عقل ، عندئذ سيكتشف في الآيات ما لن يجده في كتب التفسير التي غالبا ما تهتم بمعانى الكلمات ، والإسهاب في أسباب النزول ، مما يجعل ذهن القارئ يشرد معها ، وبذلك يخرج عن الإحساس المرهف بخطاب الله له في الآيات . ولا شك أن هذه الطريقة لا تصلح مع كل الناس ، والبنا رجل قرآني ذوّاق لآيات القرآن الكريم كما نرى ذلك واضحا في مقالاته في هذا الكتاب ، وهذه الطريقة - التي يريدها من قارئ القرآن - درجة لا يرقى إليها أي قارئ لكتاب الله ، وإن صلحت هذه الطريقة مع بعض المتفكرين للقرآن الذين يحيون به - ومعه - معظم حياتهم ، فإنها لا تستقيم ولا تصلح أبدا مع جموع القارئين للقرآن الكريم . وهذه الطريقة جرّبها عدد من العلماء وآتت ثمارها ، فقد صلحت مع رجل أديب يتذوّق المعاني ويمررها على حسّه المرهف ، كالشهيد سيد قطب ، فخرج للناس بنظراته الخاصة في القرآن ( في ظلال القرآن ) . بل جرّبها الشيخ محمد متولى الشعراوي في خواطره حول القرآن الكريم ، فخرج للناس بهذه المعاني الرائعة للقرآن الكريم ، وبهذا الأسلوب الذي يرضى الخاصة ، ويقنع العامة . وعاشها الشيخ محمد الغزالي في عدة كتب من كتبه ، ولعل أبرزها تفسيره الموضوعي للقرآن ، وغيرهم من علماء الإسلام . ولم تكن دعوة البنا لفهم القرآن بهذه الطريقة دعوة نظرية دون تطبيق وتمرين للقارئ المسلم ، بل فعلها على صفحات مجلة ( جريدة الإخوان المسلمين ) الأسبوعية في مقالات التفسير ، التي كتبها تحت عنوان ( من الأدب العالي ) وهي تفسير لسورتى الحجرات والمجادلة ، والتي نادى فيها بلون جديد من المدارسة للقرآن الكريم ، وهي نفس المنهج الذي دعا إليه ، فيقول رحمه الله : « فلنتدارس هذه الآية الكريمة معا ، اقرأها كما قرأتها بتدبر وإنعام ، وسل نفسك بعد ذلك هذه الأسئلة كما سألت نفسي من قبلك وسأجيبك عنها ، فإن طابقت إجابتي ما وصلت إليه فبها ، وإن فتح الله عليك بخير مما فتح به علىّ فاحمد الله ، وإن شئت أن تفيدنى إيّاه فافعل ، وأنت في حلّ إن لم تشأ ذلك ، وسأمدك في هذه الإجابة بما عرفت